ساحة الرأي

مفارقات كسلا وهيبة الدولة الضائعة.. بقلم: د. عادل النيل

مفارقات كسلا وهيبة الدولة الضائعة.. بقلم: د.عادل النيل

د. عادل النيل

اكتسب الفيلسوف الفرنسي هنري دي سان سيمون مكانة كبيرة في الفكر السياسي وجهود الإصلاح الاجتماعي، فقد اشتغل على إيجاد نظام اجتماعي هرمي قوامه الكفاية والعمل. ذلك الفيلسوف الذي يُعرف بالكونت الثائر كان يرى أن الدولة الرشيدة العتيدة يجب أن يحكمها العلماء، ووسيلته لتحقيق ذلك هي الإقناع لا القوة، وكان لذلك تأثيره في بلاده وغيرها من الأمم التي ركزت على الكفاية والعمل ووصلت إلى الدولة الرشيدة، بغض النظر عن سلوك فرنسا الكولونيالي.

حين نرى بلادنا وغيرها من البلدان وهي في حالة فوضى سياسية ومجتمعية واقتصادية، ولا تزال بعيدة عن الكفاية والعمل وفكرة الدولة الرشيدة العتيدة، فذلك لخطأ قاتل في الوسيلة وهي استخدام القوة وليس الإقناع، وهي حالة أشبه بوضع العربة أمام الحصان. كل سلطة تستخدم القوة وليس الإقناع في حكمها إنما هي في الواقع ضعيفة وهشة، وتتغطى بالإفراط في الاستبداد الذي ينبغي أن يكون مثل الديموقراطية كدواء سياسي لأزمات الحكم، قليل منه لا يعالج وكثير منه يضر ويأتي بنتائج عكسية.

في حالة الدولة السودانية خلال فترتها الانتقالية الحالية تبرز كثير من المفارقات التي تفسر هشاشة السلطة ومنظومة الحكم التي تم التوافق عليها بشقيها المدني والعسكري، حيث يبدو الأمر وكأن الطرفين يديران الدولة بالمدافعة، وكل شق يعطل الآخر، وذلك ينتهي إلى الأخطاء القاتلة في الاقتصاد، حيث يتضخم التضخم، وتتراجع الموارد المالية، ويحدث تباطؤ مريع. وفي السياسة يبدو الأمر مأساوي وكأن كل سياسي أصبح من قدر الشعب أن يجرب حظه ويحاول تطبيق أحاديث المجالس و”الونسات” فيما يليه من أمر الناس.

نتيجة ذلك أحد أبرز نماذج السوء السياسي والمجتمعي كما في شرق السودان الذي يشهد عواصف قبلية انتهت إلى تناحر واقتتال ولو أن الأقيسة السياسية تسمح بظهور للدولة في هذا الشأن كان بالإمكان القول إن هيبة الدولة في الحضيض في تلك البقعة الجغرافية من البلد، ولكن طالما لا توجد دولة فلا توجد بالتالي هيبة، وذلك لأن السلطة المركزية تورطت في إنتاج صراع وفوضى وإراقة دماء بسبب قصر النظر وضيق الأفق السياسي.

حين تم تعيين والٍ لولاية كسلا لم يتم الوضع في الاعتبار الموازنات الضرورية التي تجعل الأداء السياسي في الاختيار والجرح والتعديل وسطيا ومتوازنا فكان من الطبيعي أن تفقد الولاية توازنها ويخرج أهل الولاية قديمهم وجديدهم من الإحن والمرارات برفض الوالي، فيما يرى دهاقنة السياسة في الخرطوم أنهم أعرف بشؤون الولاية من أهلها وحكمائهم وقادتهم، دون أن يبذل مكتب رئيس الوزراء أي جهد في احتواء الصراع وتصحيح المعادلة التي جاءت بالوالي المغضوب عليه.

تلك القوى التي تسيطر على الدولة الآن لا يمكنها أن تقود عربة كارو، فكيف لها أن تقود دولة؟ هناك تأزيم لكل نمط الحياة السودانية ولم تفعل تلك القوى ما يجعلها تقفز على سوء النظام السابق، بل فعلت أسوأ منه وأدخلت الشعب في متاهات سياسية واقتصادية وتعقيدات لا يمكن فك تشابكها بسهولة، وعليه فالتجربة التي يقوم بها هؤلاء وهم في فترة انتقالية تعتبر مريحة نسبيا دون ضغوط من معارضة فاعلة وحقيقية أكدت بما لا يدع مجالا للشك أنهم غير أكفاء لإدارة الشأن العام.

لا يمكن الارتداد إلى تجربة النظام السابق في الحكم وتحميلها نتائج أفعال نظام الثورة، فذلك هروب مكشوف إلى الأمام من أخطاء الأداء السياسي، وتجربة والي كسلا وقبلها ما حدث في القضارف وما تلاها في بورتسودان يؤكد أن السلطة الانتقالية في وضع لا يمتعها بالكفاءة الضرورية لإخراج البلد من أزمة الانغلاق والاتجاه النشط إلى النفق المظلم.

ولعل أكثر نقطة وضوحا في أحوال ولاية كسلا عدم تمتع الوالي المنبوذ بالكفاءة والفضيلة في الزهد في المنصب وإفساح المجال للأهالي للتشاور مع الخرطوم في البديل الذي يمكن التوافق عليه، فهو يبدو راغبا بشدة في المنصب ولسان حاله “أنا ومن بعدي الطوفان” دون إمكانية لرؤية إن كان بإمكانه أن يصنع الفارق الذي يجعل الرافضين يتراجعون ويرون فيه صلاحا أو إصلاحا ومناسبة للمنصب.

ما يحدث لا ينتج الدولة الرشيدة العتيدة، وكلما أمعن المركز بسذاجة سياسية في ممارسة الاستبداد المتغطّي بمكاسب الثورة يخسر الوطن وتتراجع حظوظه في الاستقرار، فما يحدث يرسم خريطة طريق قاتمة وسيئة تتطلب أحد أمرين إما تغيير “الممارسين السياسيين” أو الانكفاء على المرحلة الانتقالية وتقصير ظلها السياسي والزمني وصولا إلى انتخابات مبكرة، فلم يعد هناك وقت لقوى لم تتغير حتى يمكنها أن تغير شيئا في الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!