ساحة الرأي

د. عادل النيل.. يكتب: سد النهضة ومتغيرات العلاقات الدولية الجديدة

د. عادل النيل.. يكتب: سد النهضة ومتغيرات العلاقات الدولية الجديدة

د.-عادل-النيل-كاتب صحفي

 هناك جوانب مهمة جدا في قضية سد النهضة الأثيوبي تتعلق بمتغيرات وثوابت العلاقات الدولية، وهي الجوانب التي تعكس تغيرات بارزة في تلك العلاقات سواء في محور الموارد المائية، أو القضايا التنموية، أو القوة العسكرية، بمعنى أنها بدأت تتشكّل بصورة جديدة وتأخذ منحى متطورا بعيدا عن مبدأ أو فكرة الدورات التاريخية التي تسيطر فيها قوة عالمية على العالم قبل أن تنهار وتحل بعدها أخرى وهكذا، وذلك يبدو واضحا في سلبية الموقف الأمريكي تجاه مشكلة السد رغم استضافة واشنطن لجولة مفاوضات للدول الثلاث، انتهت بموافقة مصر على الرؤية الأمريكية ورفض أثيوبيا وتحفظ السودان.

في سياق تطورات المواقف بشأن السد، ربما نذهب للتوافق مع صمويل هنتنجتون الذي يتجه بالنظر إلى تطور العلاقات الدولية الجديدة من خلال تحليل مصادر الصراع الدولي، مبتعدا عن الدورات التاريخية، وهذا الصراع يعود بجذوره إلى الصراع بين الأمراء عقب توقيع معاهدة وستفاليا عام 1648م، وللمفارقة فإنه بعد هذه الاتفاقية تدهورت سلطة البابا في كل أوروبا وبدأ بعدها النظام الدولي الحديث يرتكز على ركائز الوطنية الحديثة، وحتى هنا يصل هنتنجتون إلى الصراعات التي تدور حاليا بين الثقافات والحضارات الإنسانية، وإذا تعمقنا قليلا في الإصرار الأثيوبي على إنشاء السد وتعبئته دون اعتبار لمواقف السودان ومصر، فإننا نقترب من فكرة الصراع الحضاري أكثر من أن يكون صراعا على الموارد التي ينبغي بالضرورة أن يتم تقاسمها بعدالة من خلال المفاوضات.

للأثيوبيين نزعتهم الحضارية الكامنة في تصرفاتهم السياسية، وهي تاريخيا دولة إمبراطورية، لكن من واقع الدورات التاريخية فهم ضيعوا إمبراطورية ويستحيل أن يحصلوا عليها مرة أخرى، لذا فالصراع ينتهي إلى فكرة حضارية تتطلب أن تنمو بلادهم بغض النظر عن مطلوبات الآخرين في الموارد المائية التي تبدأ من بلادهم، رغم أن الإمبراطور منليك وقع في مايو 1902م اتفاقا مع الممثل البريطاني بأديس أبابا، هارنجتون، تعهد فيه الإمبراطور بعدم إقامة أية أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها التأثير على مياه النيل، وذلك في السياق الأثيوبي الحالي يعني انكفاء على كل الثوابت بما فيها اتفاقيات تقاسم مياه النيل عبر التاريخ.

مواقف الدولة الأثيوبية من بناء السد وتسطيح حقوق السودان ومصر، والضرب بعرض الحائط بمخرجات الوساطة الأمريكية في واشنطن، انتهاء بتصريحات وزير الخارجية بأنهم ماضون في التعبئة حسب الجداول الزمنية باتفاق أو بدونه يتجاوز دلالات الغطرسة إلى الاستناد إلى آخرين يدعمون أثيوبيا على حساب مصر والسودان، وذلك جاء بعد يوم واحد من زيارة نائب رئيس المجلس العسكري السوداني الفريق أول محمد حمدان دقلو لأثيوبيا، ما يعني فشله في الحصول على نتائج حول مشكلة السد.

الموقف اقتضى لجوء مصر إلى مجلس الأمن الدولي مدعومة بورقة سودانية، وذلك تكتيك يضع مسؤولية السلم والأمن الدولي على طاولة المجلس لتقديم توصيته بشأن الحالة، وذلك لن يحل المشكلة أو يكبح الحماس الأثيوبي للملء الأولي وما قد يترتب عليه من تداعيات تتعلق بأهمية وضرورة الالتزام بالحصص المقررة للسودان ومصر، فيصبح من حق الطرف المتضرر بعد هذه الخطوة فتح سيناريوهات التعامل مع الحالة وفقا لما يقتضيه ويتطلبه الواقع.

 بالعودة إلى تطور العلاقات الدولية، ونموذج سد النهضة، فالثابت أن الولايات المتحدة الأمريكية ومجلس الأمن والاتحاد الأفريقي لم يتعاملوا مع هذه الأزمة بما يجعلها تمضي في مسار تفاوضي سلمي، يحقق العدالة التنموية للجميع، وغير صحيح أن السودان أقل ضررا من مصر في حال لم يتم اعتبار الشواغل والهواجس المصرية في إدارة السد وعملياته التشغيلية، فأي ضرر على مصر تتعامل معه الدولة المصرية بما تراه مناسبا لمصالحها سينعكس على السودان بمعنى أن الجميع متورط في المشكلة والحل.

أثيوبيا لن تتوقف عن تشغيل السد وإدارته تحت المبدأ السيادي، كما لا يمكن أن تتوقف مصر عن المطالبة بحقوقها في مياه النيل، ولا يمكن للسودان أن يبقى متفرجا حتى لو أنه دولة ممر وانتفاء أنه دولة مصب، وبما أن الأجهزة السيادية والسياسية الأثيوبية متوافقة على تجاهل الأطراف الأخرى فذلك يضيق بالخيارات حتى لو اكتمل بناء السد، لكنه لن يكون حاجزا للمياه أو يعمل بالكفاءة النهائية التي تجعله يحرم دول المصب من حقوقها، وموقف أثيوبيا القوي ليس من حوافز داخلية تتعلق بالتنمية وحقوقها في المياه، وإنما لأسباب أخرى ضمن إدارة الصراع بشكل عام بما يرتد على مصر والسودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق