ساحة الرأي

د. عادل النيل.. يكتب: خطة مارشال و”صياعة” الممارسة السياسية السودانية

د. عادل النيل.. يكتب: خطة مارشال و”صياعة” الممارسة السياسية السودانية

د. عادل النيل – كاتب صحفي من السودان

هناك تضاد نسبي بين السياسة والمثالية، ولكي تمارس السياسة لا بد من نوع من الحنكة والدهاء والصبر وذلك مزيج ينتهي في الفهم العامي إلى معنى “الصياعة” وفي مرحلة لاحقة يمكن إضافة القليل من الاستبداد الذي يسيطر على القوى المجتمعية التي يمكن أن تتفلت أو تتحدى القوانين والسلطة الحاكمة وتعبث بهيبة الدولة.

الصين التي نراها اليوم نتاج بناء ضخم ابتدأه ماوتسي تونغ من العدم أو الصفر، وكانت هناك أخطاء في السلوك السياسي للسلطة ولكن في ذات الوقت كان هذا الزعيم “صائعا” وإن زاد في جرعة الاستبداد ولكنه كان يعرف طريقه، ولبيان جانب من ذلك أن سلطة الزعيم الصيني قدرت أنهم يحتاجون سنويا إذا سمحوا بربطات العنق إلى ثلاثمائة مليون ربطة ثمنها ملايين الدولارات، اعتبروها سخافة لا معنى لها وأوقفوا استيرادها.

إيقاف ذلك الاستيراد حوّل تلك الملايين إلى خزينة الدولة وأطلق رسالة كفاية وإنتاج في جميع القطاعات الاقتصادية، وبنى النموذج الصيني الذي أصبح اليوم القطب العالمي الثاني، وقريبا الأول، والمدهش أن جميع التقارير الأممية الاقتصادية كانت تتابع مسار نمو الاقتصاد الصيني وتوقعت صعوده في سنوات معدودة من مراكز متقدمة على حساب اقتصادات عملاقة مثل اليابان وألمانيا وفرنسا، لكن الصين صعدت إلى المرتبة الثانية في أقل من التقديرات والتوقعات الأممية إلى المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

كانت الصين تعاني تجارب احتلال وانتهاك فظيع لسيادتها حتى من اليابان التي لا تساوي قيمتها الجغرافية حبة خردل من العملاق الصيني، وحين احتاجت الصين أن تنهض لم تشملها خطط دولية للنمو والتنمية وإنما مارست اقتصاد الاستغناء عما لا حاجة لها فيه، ومنحت المواطنين فرص الإنتاج فيما يحسنونه، فنشطت الصناعات الصغيرة والمتوسطة والأسر المنتجة وتحولت قرى ريفية إلى أبراج لإدارة الاقتصاد صعدت معها الصين إلى ثاني اقتصاد عالمي.

كل ذلك عقب الحرب العالمية الثانية، والتي لم يتم بعدها إنقاذ اقتصادات أوروبا المنهكة إلا بخطة مارشال، وهنا بيت القصيد، حيث أشار الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني في حوار له مع صحيفة الشرق الأوسط إلى أن تحركات بريطانيا وألمانيا في مجلس الأمن للبعثة الأممية ودعم الاقتصاد السوداني أشبه بخطة مارشال، وليس في الأمر غضاضة فيما يتعلق بمعطيات إنشاء البعثة الأممية وإنما المشكلة في فكرة “خطة مارشال” لإنقاذ اقتصاد بلاده.

الاعتماد على دور وأداء البعثة الأممية ينطوي على انتظار الفرج من الغرب، فيما كان الأفضل له أن ينظر إلى البعثة في إطار الدور السياسي الذي يؤطر العملية السلمية ويحاصر حاملي السلاح في المبدأ الوطني الذي تنتفي معه الحاجة للخروج على الدولة والعبث بهيبتها وترهيل سلطتها سواء انتقالية أو ديموقراطية، لذلك فالحديث عن خطة مارشال سودانية يعني تلقائيا أن يبقى الطاقم الانتقالي واضعا رجلا على رجل متفرجا فيما تبدعه البعثة الأممية وتوفره من حلول سياسية واقتصادية لن تنتهي إلى ما انتهت إليه خطة مارشال في أوروبا.

في تقرير للأمم المتحدة ذكر أن 70 بلدا من البلدان التي تتلقى المساعدات الأمريكية أصبحت أفقر مما كانت في عام 1980م، وأن 43 بلدا أصبحت أسوأ مما كانت في عام 1970م، وإذا أراد رئيس الوزراء أن يتعامل مع البعثة الأممية في سياق خطة مارشال فذلك إما أن يعني أنه يستهتر بالوطن أو أنه غشيم لا حظ له في السياسة أو أنه يريد أن يرتاح إلى الحلول المستوردة ولا يريد أن يمضي في الطريق الصعب للتنمية والديموقراطية.

عندما كان وزير الخزانة الأمريكية جورج مارشال يلقي خطابه الذي حمل خطته بجامعة هارفارد في عام 1947م، كان الأمريكان يخشون أن تقع القارة الأوروبية التي كانت تشهد حينها ترديا اقتصاديا وبطالة وفقرا يقود إلى ابتلاع الاتحاد السوفيتي الشيوعي لدول القارة، لذلك كانت هي خطة إدارة صراع مع الاتحاد السوفيتي ولا بد أن تنجح وذلك ما حدث بعد خمسة أعوام من تنفيذها بتحقيق نمو اقتصادي مقدر في أوروبا ابتعد بها عن المعسكر الشيوعي.

الآن إن كان رئيس الوزراء يمارس عملية سياسية واقتصادية فعليه أن يتناسى فكرة خطة مارشال مع بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة في الفترة الانتقالية في السودان، وأن يجرب الطريق الصعب في التنمية على خطى ماوتسي تونغ، ويدع للبعثة الأممية محاصرة الخارجين على الدولة، وإن لم يفعل وترك أمر الدولة بيد البعثة فذلك يعني اختناق وطني وخيبة أمل تورث الدولة والوطن مزيدا من الصعوبات أسوأ مما هي عليه الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!