ساحة الرأي

د. عادل النيل.. يكتب: كن رقميَّا لتبقى على قيد الحياة المعاصرة

د. عادل النيل.. يكتب: كن رقميَّا لتبقى على قيد الحياة المعاصرة

د.-عادل النيل-كاتب-سوداني

تغيير نمط الحياة المعاصرة إلى حالة أخرى أكثر حداثة وعصرنة، قادم لا محالة، فهناك سيولة رقمية تجتاح الأشياء والسلوك الفردي والمجتمعي على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم. وما كان اليوم مجهولًا أو متروكًا، يصبح غدًا معروفًا ومقبولًا، وذلك ما يشكّل في خاتمة المطاف مفهوم القرية الكونية من خلال منظومة اتصالية لا تترك أحدًا دون أن يكون جزءًا منها، لأنها تصبح سلوكًا أصيلًا في شخصيته وتعاملاته مع من حوله.

ذلك التغيير في نمط الحياة يواكب تطورات المرحلة التقنية الحالية التي باتت تُعرف بالثورة الصناعية الرابعة، وهي عملية انتقال تقني واسعة تشمل استخدام الأجهزة والأدوات التقنية التي لا يمكن الاستغناء عنها حتى لأكثر الناس أمّية، إذ يكفي أحدهم أن يتعلم استخدام هاتف سيّار لينجز مهامًا ذات طبيعة اتصالية في سياق نشاطه اليومي، وذلك يعني دخوله المجال الحيوي للتقنية الرقمية، وبدء عملية التحوّل الرقمي (Digital Transformation) أو الرقمنة (Digitization).

تطوّر لتبقى على قيد الحياة

السؤال العالمي الحالي هو: كيف يمكن تحقيق أقصى قدر من استخدام التقنية الرقمية لصالح جميع الناس؟ ذلك يستدعي كلّ ما يتعلق بمعطيات الثورة الصناعية الرابعة وفكرة التحوّل الرقمي، ولا يمكن للثقافات المحلية للمجتمعات أن تصمد في مقاومة التغيير القادم، وذلك ليس ببعيد حتى نصبح جميعًا رقميين في ظل الوتيرة المتسارعة لإنتاج وانتشار تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة التي انطلقت بصورة قاطعة منذ العام 2015م، من خلال تحويل عمليات المؤسسات والشركات رقميًا، وتكاملها عموديًا، عبر تطوير المنتجات وأعمال الشراء، إلى جانب عمليات التصنيع، والخدمات اللوجستية، وتقديم الخدمة. فيما تشهد كذلك، تكاملًا أفقيًا يشمل المزودين والعملاء وجميع شركاء سلسلة القيمة.

ومن يخرج عن إطار هذه المنظومة فهو مفقود، فهناك شركات عملاقة خرجت من السياق الرقمي، فأصبحت جزءًا من تاريخ الصناعة والمنتجات، تمامًا كما حدث لشركة “كوداك” التي صنعت أول كاميرات محمولة على اليد، ووصلت إلى نسبة استحواذ بلغت 90 % من السوق الأمريكي، ولكنها رغم ذلك وصلت خط النهاية بإعلان إفلاسها في يناير 2012م بعد 133 عامًا من تأسيسها، وذلك ببساطة يعود لاخفاقها في مواكبة التحوّل الرقمي، إذ واجهت صعوبات في منافسة الشركات الأخرى التي سبقتها إلى عصر الأجهزة الرقمية.

وقياسًا على نموذج إنهيار “كوداك” فإن التحوّل الرقمي يصبح “خيار صفر” لاستمرار أيّ شركة أو مؤسسة، لأنه بمثابة الأكسجين الذي يجعلها تبقى على قيد الحياة، وهو في أبسط تعريفاته يعني “انتقال الشركات إلى نموذج عمل يعتمد على التقنيات الرقمية في ابتكار المنتجات والخدمات، وتوفير قنوات جديدة من العائدات، وفرص تزيد من قيمة منتجاتها”، فالشركات معنية بالإسهام في التغيير التقني لحياة الناس، وذلك يجعلها جزءًا من إطار يعيد تشكيل الطريقة التي يعيش بها أولئك الناس، ويعملون ويفكرون ويتفاعلون ويتواصلون، وفقًا للتقنيات المتاحة، ولا يتوقف الأمر عند ذلك وإنما تطويرها أيضًا. وهناك تجربة أخرى لشركة عملاقة أخفقت في المواكبة التقنية، وهي شركة نوكيا الفنلندية التي أصدرت أشهر الهواتف في عام 2003م، وتم بيع أكثر من 250 مليون هاتف منه حول العالم، ولم تنجح شركة غيرها في تحطيم هذا الرقم، ولكن الشركة تباطأت في الاستجابة لتحديات التطور التقني فتراجعت سمعتها التجارية، قبل أن تستدرك وتعلن أن علامتها التجارية ستعود إلى سوق الهواتف الذكية في عام 2017م، من بوابة نظام التشغيل أندرويد، أي أنها استوعبت درس التحوّل من أجل أن تبقى.

تحوّلات أسرع من المتوقع

لا يتوقف عالم اليوم عن التطور والتوسّع في التقنيات الرقمية، ومع بروز ظاهرة إنترنت الأشياء (Internet of Things)، تتسع الحلقة الاتصالية، وارتفاع مستويات الإنتاج التقني ليصبح كل شيء مرتبطًا بالإنترنت، إذ يتوقع أن يرتفع عدد الأشياء التي تتضمنها شبكة الربط إلى 50 مليار عام 2020م، ثم إلى 500 مليار عام 2030م، وإذا كان الخبراء يرون، أنه رغم هذه الأرقام الضخمة، أن أكثر من 99% من الأشياء الملموسة لا تزال غير مرتبطة، فذلك يعني أننا مقبلون على عملية واسعة تكاد تبدو خيالية في استخداماتها وبياناتها، خاصة وأن كل شيء يتم سريعًا، فالتقارير التنموية للأمم المتحدة تشير إلى أن نحو 70% من أفقر خُمْس السكان بالبلدان النامية يمتلكون هاتفا محمولًا، فيما زاد عدد مستخدمي الإنترنت أكثر من ثلاثة أمثاله خلال 10 أعوام من مليار شخص عام 2005م إلى نحو 3.2 مليار بنهاية عام 2015م، وذلك ما يدفع بخبراء التسويق في الشركات الدولية الكبيرة إلى الذهاب بعيدًا في التفكير بالخيارات والبدائل التي تتماشى مع نمو الاستخدام التقني، حيث وصل العالم إلى تحوّلات أسرع من المتوقع، وعليهم التفكير فيما بعد الارتقاء إلى مستوى أعلى من الكفاءة، حيث ينبغي لشركات الاتصالات أن تكون أكثر مرونة في التوافق مع احتياجات العملاء، أو كما قال أحدهم “لن تكون الكعكة أكبر ما لم نتحوّل جميعًا، يتعيّن علينا جميعًا المسارعة إلى التسويق”.

التحوّل الرقمي هو جوهر الثورة الصناعية الرابعة، وذلك يشمل العديد من التقنيات (أجهزة ووسائل) والتي تعكس ما عليه حقيقة العالم من عصرنة وتوافقًا مع مقتضيات التطور، ومن ذلك: أجهزة الهاتف المحمولة، الحوسبة السحابية، الأجهزة القابلة للارتداء (الواقع المعزز)، التفاعل متعدد المستويات مع العملاء وجمع المعلومات حولهم، تحليل البيانات الكبيرة والخوارزميات المتقدمة، أجهزة الاستشعار الذكية، الطباعة ثلاثية الأبعاد، التوثيق وكشف عمليات الاحتيال، التفاعل المتقدم بين الإنسان والآلة، تقنيات كشف المواقع، منصات إنترنت الأشياء.

تلك التقنيات تنمو بصورة مذهلة، فشركات العالم سوف تستثمر 2 تريليون دولار بحلول عام 2020م في تطوير تقنيات التحوّل الرقمي لديها. وفي الوقت نفسه، تشهد أعداد الأجهزة المتصلة بإنترنت الأشياء حول العالم نموًا كبيرًا، وبحسب توقعات مؤشر “سيسكو” للتواصل الشبكي فسيكون أكثر من 500 مليار جهاز وشيء متصلًا بالإنترنت بحلول العام 2030م، وعليه فإن سؤال (كيف يتجه العالم إلى التحوّل الرقمي؟) أصبح من الماضي، وإنما السؤال: إلى أين يتجه العالم في تحوّله الرقمي؟ وما التالي في تطوير التقنيات؟  فالجميع، بصورة أو أخرى، سيتعامل مع التقنية، ويمارس من خلالها أنشطته الروتينية والعملية، لأن ذلك أثبت كفاءة لافتة ومهمة في التغيير إلى الأفضل، أو إلى ما يحبّ الإنسان أن يرتقي إليه.

كثير من الأشياء تتجه إلى الماضي

حياة اليوم تتجه بسرعة لأن تكون أكثر ذكاء وكفاءة، والمجتمعات تدخل تدريجيًا نطاق المدن الذكية التي تمكّنت من تخفيض استهلاك المياه بنسبة 50%، وزيادة توفير الطاقة بواقع 30%، فمبدأ الانتقال الذكي الذي يحضر في هذا الإطار هو الاستهلاك الكفء للطاقة، متضمنًا خفض الانبعاثات الضارة بالبيئة، ووسائل مواصلات آمنة ومنخفضة التكاليف. وشبكة تحتية متطورة عن طريق تطوير تقنيات المعلومات والاتصالات.

وتجسّد تجربة شركة (أوبر) كوسيلة مواصلات عصرية أحد أبرز نتائج التحوّل الرقمي الكاسح، فتلك الشركة لا تملك أيّ تاكسي، ولكنها رغم ذلك أكبر شركة تاكسي على مستوى العالم، إذ أنها قدّمت نفسها بذكاء، كوسيط بين سائق السيارة والراكب، لتصل قيمتها السوقية حاليًا إلى 18 مليار دولار، ما جعل التاكسي الذي انطلقت أول سياراته منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، جزءًا آخر من ماضي المواصلات التقليدية.

ذلك يقود أيضًا إلى التحولات الرقمية في قطاع السيارات ذاتية القيادة، حيث بادرت شركتا “أيبول” و”جوجل” إلى خوض تجربة تصنيع هذه السيارات رغم أنهما شركتي تقنية. ونجحت “جوجل” في تجربة سيارات على طرق تمتد لنحو مليون كيلومتر. ذلك اتجه بالعديد من شركات صناعة السيارات لإنتاج سيارات ذاتية القيادة، مثل شركة فولفو السويدية، كما أن هناك شاحنات ثقيلة ذاتية القيادة في أستراليا، يفوق وزن إحداها 500 طن، بطول يصل إلى نحو 16 مترًا.

وبالنظر إلى التحوّلات التي تجري في العديد من القطاعات الاقتصادية، الخدمية والصناعية، نجد أنها قطعت شوطًا بعيدًا في التحوّل الرقمي كما في المصرفية الرقمية، والعملات الرقمية، وأعمال الحكومة الرقمية، والتجارة الإلكترونية، واتساع أعمال التفاعل بين البشر والروبوتات.

لم تعد قطاعات الأعمال في مختلف دول العالم متخلفة عن مواكبة التحوّل الرقمي وما يستدعيه من استخدام لتقنية المعلومات، فذلك أصبح يدخل بصورة رئيسة في تحقيق الميزة التنافسية لأيّ شركة أو مؤسسة، لذلك توسعت أنشطة الاستثمار في تلك التقنيات لتصل إلى نحو 3.7 تريليون دولار خلال العام 2018م، فيما يتوقع أن يضيف إنترنت الأشياء 2.2 تريليون دولار للناتج الإجمالي للمؤسسات بحلول عام 2025م، و14 تريليون دولار إلى أكبر 20 اقتصادًا عالميًا بحلول عام 2030م، وذلك ربما يكون ذروة الثورة الصناعية الرابعة التي تجعل الرقمنة ومعطياتها عنوانًا حاسمًا لحياتنا خلال الأعوام القليلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!