ساحة الرأي

مصطفى عبد السلام يكتب: الموت جوعاً أم الموت مرضاً؟ العالم في حيرة

مصطفى عبد السلام يكتب: الموت جوعاً أم الموت مرضاً؟ العالم في حيرة

يبدو أن معظم دول العالم حسمت أمرها، وقررت إعادة تشغيل الاقتصاد وتخفيف إجراءات العزل العام، والسبب أنه لا أمل قريباً في طي صفحة فيروس كورونا والتوصل إلى علاج ناجح ينهي واحدة من أكبر الأزمات الصحية التي عرفها التاريخ البشري.

وهو ما أكدته منظمة الصحة العالمية، أول من أمس، التي قالت في تصريح صادم، إن كورونا قد لا يختفي أبداً، وإن الفيروس المستجد قد يرافقنا طويلاً، تماماً كما فعلت فيروسات قبله.

بل واعتبرت المنظمة أن كورونا، الذي يسبب مرض كوفيد-19، قد يصبح متوطناً مثل فيروس (إتش.آي.في)، المسبب لمرض الإيدز، محذرة من أي محاولة للتنبؤ بالوقت الذي سيستمر فيه انتشاره ودعت إلى بذل جهود هائلة لمكافحته.

وبغض النظر عن هذا التصريح الصادم، فإن العالم بدأ بالفعل، التحرك وبشكل جدي لإعادة تشغيل الاقتصاد، وتوصيل التيار الكهربائي ومصادر الطاقة الأخرى للمصانع والشركات والمحال التجارية والمطاعم لإعادة عجلة الإنتاج مرة أخرى، ذلك لأن توقف الأنشطة الاقتصادية إلى ما لا نهاية يعني حدوث أكبر كارثة اقتصادية عرفها التاريخ البشري.

كارثة قد تصاحبها مجاعات واسعة، ومعدلات بطالة غير مسبوقة، واستمرار تهاو لأنشطة السياحة والفنادق والطيران، وفرض قيود شديدة على حركة السفر، كما قد تصاحبها قفزات غير مسبوقة في الديون الخارجية للدول وعجز في الموازنات العامة.

كما جاء تحرك العالم نحو تحريك دورة الاقتصاد وتخفيف إجراءات العزل رغم مخاطر كورونا الصحية، وذلك بسبب الفاتورة الاقتصادية الضخمة التي باتت معظم الدول غير قادرة على تحملها.

فالحكومة الأميركية اقترضت نحو 4.5 تريليونات دولار لهذه السنة المالية فقط، وهذا المبلغ الضخم تم ضخه في الأسواق والمصانع لمنع تهاوي الاقتصاد الأميركي، وكانت النتائج غير مشجعة، حيث دخل الاقتصاد في حالة ركود، وقفزت البطالة لمستويات قياسية لم تعرفها البلاد من قبل، فالعاطلون عن العمل تخطى عددهم 33 مليون شخص.

ولم يتوقف الأمر على حزمتي إنقاذ تم ضخهما في شرايين الاقتصاد الأميركي، بل يخطط الحزب الديمقراطي للتصويت، اليوم الجمعة، على مقترح تحفيز جديد للاقتصاد الأميركي بنحو 3 تريليونات دولار أخرى، وهو ما سيعني المزيد من الديون الحكومية وتفاقم عجز الموازنة الأميركية.

ويتكرر السيناريو في الدول الأخرى، فالدول النفطية التي تعتمد على الخام الأسود في إيراداتها العامة، مثل دول الخليج وروسيا والعراق والجزائر وفنزويلا، تلقت نبئا غير سار، أمس الخميس، من وكالة الطاقة الدولية، التي أكدت أن الطلب العالمي على النفط يسجل أكبر هبوط في التاريخ، وأن هذا الطلب لا يزال يتجه لتسجيل انخفاض تاريخي في 2020، على الرغم من خفض هذه الدول إنتاجها النفطي لأكثر من 11 مليون برميل يوميا.

وبالتالي فإن هذه الدول يجب أن تعيد النشاط لاقتصادها حتى لا يتهاوى مع نزيف الإيرادات، وخاصة أن الخفض الكبير في الإنتاج أخفق في دفع أسعار النفط للارتفاع إلى 35 دولاراً للبرميل كما كان مأمولا، وهو مبلغ يقل كثيرا عن رقم التوازن المالي لدول الخليج.

وشركات التأمين العالمية لم تعد قادرة على تغطية كل هذه الخسائر البشرية والاقتصادية بعدما ارتفعت خسائرها إلى 203 مليارات دولار بسبب جائحة “كوفيد 19″، حسب مؤسسة “لويدز أوف لندن”. وهذه الخسائر تعد قياسية مقارنة بالخسائر التي تكبدتها صناعة التأمين في كوارث عالمية.

وبالتالي فإن على هذه الشركات أن تستعد لتحمل مزيد من الخسائر في المرحلة المقبلة التي قد تطيح بأصولها ورؤوس أموالها، وبالتالي قد يكون مصيرها الإفلاس، شأنها شأن العديد من شركات الطيران العالمية الكبرى.

والأمم المتحدة توقعت، أمس الخميس، أن تؤدي جائحة كورونا إلى خسارة الاقتصاد العالمي خلال عامي 2020-2021 نحو 8.5 تريليونات دولار، وهو مبلغ يقترب من القيمة التي توقعها صندوق النقد الدولي والبالغة 9 تريليون دولار، وبالطبع فإن الدول فير قادرة على تحمل هذا المبلغ الضخم إذا ما استمر إغلاق الاقتصاد.

يوما بعد يوم تزداد خسائر العالم جراء فيروس كورونا، ولا أفق لوقف هذه الكارثة الاقتصادية والصحية، وفي الوقت نفسه لم يعد العالم قادراً على الإغلاق التام لوقف تفشي الفيروس، وبالتالي فإن العالم بات في حيرة وبين خيارين كلاهما مر.

أن يعمل ليأكل ويشرب مع زيادة المخاطر الصحية التي قد تصل إلى الموت مرضاً بفيروس كورونا، أو يتوقف النشاط الاقتصادي ويحافظ على الصحة العامة، وهنا يصبح معرضاً للموت جوعاً.

يوما بعد يوم تزداد خسائر العالم جراء فيروس كورونا، ولا أفق لوقف…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!